فلسفة التأمل

بقلم:- الجراند ماستر شريف هزاع

(انا لا اصادر رأيك هنا ؛ لانني احترمه )

الجانب الفكري هو الجانب التأسيسي لاي فعل ومنها االتأمل ، لذا سيقتصر حديثنا بالتركيز على هذا الاساس اما الجانب التقني فلن يعجز الانسان ابدا ، لكن ما نحتاجه الان للجانب الفكري والعملي هو الرغبة : ان تكون لنا رغبة في التأمل هذه الرغبة في حقيقتها تأملا داخليا ساكنا هادئا يحتاج للخروج والتمثل وقتها سنعيش تأملا متكاملا ورائعة سينطلق من الرغبة في ان يكون لنا رقي الروحي ونفسي وعقلي وجسدي، تنمية الرغبة في التأمل هو ان يكون لي هدف من اجل ذلك ، لماذا اتأمل ؟ اذا كان الهدف صغيرا وله نهاية فبمجرد ان يتحقق الهدف سيبدوا التأمل غير ذات فائدة وهذا عجز كبير ، اما اذا كان الهدف الرقي الروحي ، فاظن اننا لن نقف لان الرقي ليس له حدودا ولن يكون التأمل خارج الصلاحية.
يمكننا ان ننطلق من الجسد ، فحين يكون جسدي يعمل بصورة صحيحة من خلال الغذاء الصحي فانني اخطو بشكل صحيح من اجل سلامة شاملة فالموازنة في الطعام اول الخطوات اللازم اتباعها لانها ستؤدي الى عقل سليم ونفس سليمة وروح مستقبلة ، اذا اختيار الطعام الصحي امر في غاية الاهمية ، حاول ان تتأمل بهذا الموضوع ( لماذا اكل ؟ كيف اكل ؟ لكن عليك ان تستخرج من الجواب سؤلا اخر ايضا وحين تنتهي الاسئلة ستكون في قلب التأمل ) لن اكتب لك قائمة بالمضار الصحية للاطعمة ولا للفوائد المادية والنفسية لقائمة اخرى ، لانك تعرف بشكل كبير ماهو النافع وما هو الضار ، واذا عجزت فابحث تجد ، ولاتركن الى (الجاهز) الطعام الجاهز او الافكار الجاهزة .
حين يكون هناك توازن بين الجسد والعقل ، فهي مبادرة رائعة للدخول الى عوالم الروح الابدية الرائعة ، التأمل يحقق التوازن بين العقل والروح لكنه يطلب منك ان تحقق له مطلب مادي واحد، هو الغذاء صحي ، ثم سيتكفل بتغيرنا نحو الافضل ، سيواجهنا بانفسنا وبعقدنا لذا هل نتحلى بالشجاعة الكافية لمواجة انفسنا؟ انه يعرف اننا الوحيدين الذين نستطيع حل عقدنا وليس طبيبا ، ويحاول جاهدا ان يجعلنا اصحاء عقليا ونفسيا ، الطبيب يحاول ان يجد لنا مرآة تعكس ذواتنا ورؤية حقيقة انفسنا ، لكن التأمل هو المرآة الداخلية التي نملك ، ان الجنون ان نبقى كما نحن ونحب غضبنا وجشعنا ومكرنا وكرهنا للاخرين وبخلنا .
العقد النفسية ليست معدومة في حياتنا ، حتى ان علماء النفس قالوا ان الشخصية غير المريضة والمثالية هي شخصية افتراضية غير موجودة ، واننا نحمل اطيافا من الافكار والسلوكات والاراء قد تبدوا للطبيب النفساني عقدا وجنونا وبارنويا وهيستريا ومناخوليا ، التأمل يستطيع ان يكون طبيبا نفسانيا اذا سمحنا له بذلك ، اذا سمحنا لسماعته ان تلتصق بصدورنا ، اولا هو يوجهنا بذاتنا ولايقوم بتهريبنا من الباب الخلفي للعالم والناس والمحيط ، انه يساعدنا في التقدم وليس في الهروب ، انه مواجهة للنفس فمن عرف نفسه لن يعجز في معرفة اي شيء ، وعقدنا تقف حائلا بيننا وبين المعرفة تلك وانها تمنعنا من ان نعرف انفسنا بل تخدعنا وعلينا ان نحطمها بالتأمل .
التأمل يكسبنا الحكمة الكافية لادارة الذات وادارة الاخرين بشكل سليم ، انه يغذينا بالهدوء والوضوح والسكينة ، انه يعطينا عامودين كبيرين ( اليقظة و الفطنة ) لكن الحقيقة لاتستقيم بهذين العامودين بل يكتملان بالعنصر الثالث والنهائي وهو ( العمل ) فمن الغباء ان تعلم فن الحكمة تلك ولانعمل بها ، اننا مطالبون بتغير انفسنا ، فهل نحن مطالبون بتغير الاخر والعالم والمجتمع؟ لن اصادر رأيك هنا .. التأمل هو ان تبدأ من المطلب الاول وهو المهم ، بعدها ستقرر اذا كان المطلب الثاني حكيما ام لا ، والحكمة هنا ، هي معرفة الزمان المناسب والمكان المناسب والكيفية المناسبة ، الا انها في حقيقتها اوسع من ذلك الا اننا اوجزنها بـ ( يقظة ، فطنة ، عمل)
اذا كانت لنا رغبة وافكار واضحة واهداف لانهائية واكتسبنا اليقظة والفطنة ، وجب علينا ان نتوج هذا الامر بعمل هو حصاد لافكارنا وسلوكنا الايجابي في الحياة ، إن ممارسة التأمل هو وسيلة للتخلص من الضغوط الواقعية الكبيرة في اليوم وترك عقولنا مرتاحة للتعامل مع تلك الضغوط هنا نحتاج الى حيل وتقنيات اولها ترويض النفس ، لانها ترفض الانصياع وتلح على تشتيتنا هنا وهناك فهي ترفض القيد والتحكم ، والتأمل يجبرها على الانصياع متخذ – التأمل – من الرتابة عنصرا لتحطيم التشتت والخواطر وغزو الافكار ، فكان الانتباه الى الشهيق والزفير عنصرا لتحطيم التشتت والمحافظة على التركيز ، كل ما علينا الان ان نأخذ سهيقا من الانف ثم الاحتفاظ بالهواء في الرئة لزمن ثم زفير بطيء من الفم.
ترويض النفس هو ترويضا للعقل نفسه ، فنحن نظن مخطئين اننا نسير عقولنا حسب ما نريد ، لكن الحقيقة ان عقولنا تسيرنا الى ما تريد ويقف ورائها عوالم من الاسرار الباطنية للاوعي والعقد المكبوتة ، لذا نحن لانتحكم بعقولنا انما
العكس! وهذا العقل شبيه بالقرد يحتاج الى موزة تروضه وتحكمه وتلهيه بدل ان يذهب هنا ويقفز هناك ويسافر ويلعب ويضحك ، لذا سمى الرهبان تلك العملية بـ ( ترويض القرد) اذا شئت سمها موزة او ( الحصان والجزرة) يحتاج التأمل هنا الى طاقة كبيرة من التركيز والاحتفاظ بالفكرة من اجل القضاء على اي فكرة انه ( الموزة اوالجزرة) التي نحتاجها لترويض الحصان او القرد .
هناك فرق كبير وتقني بين التأمل وبين التركيز ، التأمل يحتاج في البدايات الى تركيز واهتمام واحتفاظ بالمركز لاننا سنواجه بسيل من الافكار والخواطر والملهيات لذا سنكون بحاجة كبيرة للتركيز والاحتفاظ بالمسار الصحيح ، والفرق بينهما هو ان التأمل تفكر عام وتوسع او هو ملاحظة غرفة بكافة تفاصيلها ينيرها مصباح في الوسط ويشع بنوره على كل الاركان والاشياء ، بينما التركيز هو صب جل الاهتمام على ذلك المصباح ثم ذلك السلك المتوهج الذي يعطي للغرفة الانارة والوضوح ، لذلك اذا لم يكن لدينا قدرة على التأمل والتركيز معا فسيكون التأمل مثل حقنة المهديء تريحنا لكنها لاتوسع مداركنا ثم بعد فترة سندمن على المهديء دون شعور ، التأمل الحقيقي هو الذي يكمن فيه مادة التركيز ويشكل عنصرا فيه ثم ينتهي اليه.
كرشنامورتي اذهلني فعلا واستطاع ان يقفز بي مراحل كبيرة ، باختصار هو لايعلمني تقنيات التأمل بل فلسفته واتساعه وعالميته ومطلقيته وكيف مارسه في حياتي اليومية كفكر وليس كتقنيات شهيق وزفير وجلسة واسترخاء ، لذا سانقل لك موجزا عن ذلك مورتي يقول اننا نستطيع ان نتأمل ونحن نمشي ونأكل ونعمل ونستقل الحافلة ونفكر في حل معادلة رياضية ، ومع اطفالنا وزوجاتنا ومع المحيط والجيران وفي الشارع وحين اطبخ الطعام ، انه لاينحصر في جلسة اغماض عين واسترخاء وزمن حدد بـ 20دقيقة ، انه تاريخي وسنين عمري وكل شيء في حياتي انه باختصار (انا) فكيف اريد ان تكون (انا)وكيف احقق(انا).
كرشنا مورتي يكمله اوشو ولايتعارض معه ، كل ماهنالك ان اوشو يعلمك تقنيات وافكار عملية ، بينما مورتي مفكر وفيلسوف رفيع المستوى ، لكن ما يجمع هذا وذاك هو (البساطة والوضوح) يمكن ان اوجز لك بلغة شعبية الامر ، فمورتي مفكر مذهل واوشو درويش مذهل … الخ لن ادخل في التفاصيل اكثر ، بل سانقل لك امرا مهما حول التأمل الحركي او الديناميكي الذي استخرجه اوشو من الاروقة المنسية لتاريخ الفكر الشرقي يمكننا ان نمارسه ليس من خلال جلوس وعدم حركة بل بوقوف واستلقاء ورفع ايدي ورقص وحركة ، هل راقبت مولوي يدور في (قونيه) ابان الاحتفال بمولانا الرومي انه يدور لساعة او اكثر دون اي يشعر بالدوار ، انه في حالة غبطة وتناغم ووحدة مع العالم واستغراق خارج حدود القوانين الفسلجية والفيزيائية التي نعتقد انها تحكم واقعنا ، بينما بحركة واحد ساضع نيوتن وكوبرنيكوس واينشتين وسيتفن هوكنغ وكل الثقوب السوداء وراء ظهري.
لن تحتاج ان افرض عليك جملة من التمارين ، وان اصادر لغة جسدك واحتياجك للطبيعة ، مدارس التأمل ليس لها حصر ، انني لست معلما لاحد او كما قال كرشنامورتي ارفض ان اكون معلما لاحد لانك تملك معلما اذا نظرت الى داخلك …

 

دواؤك فيك وما تشعر . . . وداؤك منك وتستنكر
وتحسب أنك جرم صغير . . . وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي . . . بأحرفه يظهر المضمر

ملخص المنشور

  • دواؤك فيك وما تشعر .
  • .

اكتشاف المزيد من اكاديمية ريكي زن

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.