مكثت اثنتي عشرة سنة حدّاد نفسي، وخمس سنين كنت أجلو مرآة قلبي،
وسنة أنظر فيما بينهما فإذا في وسطي زنار فعملت في قطعه
خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لي فرأيت الخلق
موتى فكبّرت عليهم أربع تكبيرات
البسطامي
لاكثر من مرة يمر امامي مصطلح ( طريق المحارب ) و في مختلف الادبيات الصوفية (Mystisim و ليس Sufism) من بوذية و تاوية و اخرى . و هم لم يطلقوا هذا الاصطلاح على طريق التصوف عبثا .
من وجهة نظر هذا الاصطلاح فان بوذا كان محاربا و ماهافيرا ايضا و آخرون ممن يتبعون هذه الطرق الصوفية ، كلهم محاربون . و اعظم المحاربين هم اتباع طريق الجاينية الذي بدأ بالمعلم الكبير ( ماهافيرا) و الملقب بـ ( جاينا ) و تعني القاهر ( قاهر الرغبة و الالم و مدمر الانا) و ياللموافقة ( و ليس المفارقة ) فان احد اتباع طريق المحارب كان ( غاندي ) و هو من طائفة الجايناو رغم انه ليس من طائفة النساك الجاينيين انما هو من عامتهم الا ان انجازاته الذاتية و الموضوعية معروفة لكل من اطلع على سيرته .
بوذا كان محاربا و كل الاخرين ممن يتبعون طريق الزهد و التقشف او اي طريق آخر تكون جبهة المواجهة و الصراع فيه ، هي الباطن ، النفس ، العقل . و الاعداء في هذه الجبهة هي الرغبات التي تدفع المرء الى الانانية او فعل الشرور او ارتكاب الاخطاء و كذلك الانفعالات السلبية كالخوف و الغضب و القلق … الخ و المشاعر السلبية كالغضب و الكراهية و الغرور … الخ و يضاف اليها الجهل بانواعه مثل قصور المعرفة و ادلجة العلم و علمنة الايديولوجيا و الخرافات و السفاهات و اي معتقدات مضللة او تحجب الانسان عن الحقيقة او تعيق طريق تقدمه .
انها حرب في الباطن و هي حرب صعبة حيث يعاني المحارب ( الصوفي) من آلآم الكفاح و الجهاد في الباطن لاجل اجتثاث تلك السموم و الامراض . ان اصعب جهاد على الاطلاق هو الذي يخوضه المرء في داخله لان محتويات النفس من سموم و امراض نفسية و فكرية قد اصبحت لصيقة بارواحنا كالتصاق اللحم و العظم باجسادنا و نحن نعاني من التعامل معها و معالجتها و اقتلاعها ، و نستخدم الحيلة و اللطف و نحتاج ايضا الى قوة الارادة و الاقتلاع المباشر . و هذا ضمن منهج مناسب يجمع كل التقنيات في منظومة حربية ( منظومة علاجية – منهج تدريب و رياضة ) مناسبة . ان معالجة النفس لتحريرها من القيود و الامراض و السموم هو اصعب مهمة في حياة الانسان و يحتاج الى الصدق الكامل ( لا مجاملة و لا مواربة و لا هروب في مواجهة النفس ) و قوة الارادة لاجل تنفيذ التعاليم و سلوك الطريق و ايضا الى الذكاء لاجلاختيار افضل الطرق او التقنيات او المناهج في الانتصار على هذا الوحش الذي اسمه ( الانا) . ليس الامر سهلا ابدا بل يقترب من المعجزة . ان الانتصار على النفس هو المعجزة و من بعدها يمكن الحديث عن بقية المعجزات ( الخوارق) لانه بفناء الانا تظهر النفس الحقيقية للانسان و هي نفس نقية طاهرة بسيطة محضة مطلقة.
و لكن لماذا كل هذا الصراع اصلا ؟ انه للتحرر من المعاناة و هي حالة تفاقمت في عالمنا المعاصر و نقف ازاءها امام خيارين اما معاناة دائمة و بالتقسيط نعيشها طوال حياتنا لنموت و نحن تعساء و اما شن الحرب على النفس و تحمل المعاناة المضاعفة لاجل قهر ذلك الخصم الشرس و الصعب المراس الذي يدعى بالانا ، لاجل ان تبقى لدينا فسحة من الوقت لنعيش حياتنا سعداء . انه صراع في حقيقته من اجل السعادة ، سعادة عجزنا ان نجدها في العالم الدنيوي لسبب او لآخر فلم يعد لدينا الا خيار ان نجدها في ارواحنا .
ان هذا الطريق عندما وصف بانه طريق المحارب فلان المحارب يعايش مشقات الحرب و آلآمها و معاناتها ، و الموت في هذا الطريق يحدث عندما تفنى الانا و من بعدها يتحرر من المعاناة ، و يا للموافقة ( و ليس المفارقة)فان نخبة المحاربين كانوا من النينجا و الساموراي و رهبان معبد الشاولين . انهم كلهم صوفيون بصيغة او باخرى . في هذه المدارس يندمج تدريب العقل و السيطرة عليه و على الرغبة و الالم مع التدريبات القتالية الجسدية و بعضها تمارس طرق يوغية او صوفية كترديد المانترات و مودرات اليد و تمارين التنفس ( البراناياما ) و اخرى و كل هذه المدارس يترافق فيها الارتقاء الروحي مع الفن القتالي .
ان طريق المحارب هو نفسه طريق التنور الروحي و هو طريق النخبة و اصعب الطرق على الاطلاق و لهذا قل سالكوه .
ملخص المنشور
- خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لي فرأيت الخلق.
- مكثت اثنتي عشرة سنة حدّاد نفسي، وخمس سنين كنت أجلو مرآة قلبي،.
- وسنة أنظر فيما بينهما فإذا في وسطي زنار فعملت في قطعه.
- .

